براسانا فينكاتيش سرينيفاسان: نجاح التحول الرقمي لم يعد يُقاس بنشر التقنيات بل بقدرتها على تحقيق نتائج أعمال قابلة للقياس
يشهد سوق التقنية في المملكة العربية السعودية تحولاً متسارعاً في أولويات المؤسسات، بالتوازي مع التقدم الذي تحققه مبادرات التحول الرقمي ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، حيث لم تعد المؤسسات تركز فقط على رقمنة الخدمات وتحديث البنية التحتية، بل تتجه بصورة متزايدة نحو تحقيق قيمة قابلة للقياس من استثماراتها الرقمية، وتعزيز التكامل بين الأنظمة، وتوظيف الذكاء الاصطناعي والأتمتة في العمليات التشغيلية.
وفي حوار خاص مع «المملكة نيوز»، على هامش فعاليات معرض LEAP 2026 في الرياض، قال براسانا فينكاتيش سرينيفاسان، المدير المساعد لدى شركة «مانيج إنجن»، إن المؤسسات السعودية الأكثر تقدمًا بدأت في نقل التقنيات الناشئة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، من مرحلة التجارب والمشروعات التجريبية إلى الاستخدام الفعلي ضمن سير العمل والعمليات التشغيلية، بالتوازي مع اهتمام متزايد بالحوكمة والأمن السيبراني وسيادة البيانات والامتثال.
وأوضح أن أولويات قادة تقنية المعلومات في المملكة شهدت بدورها تحولاً ملحوظاً، إذ لم يعد نجاح التقنية يُقاس بمجرد نشر الأنظمة والحلول، وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج أعمال موثوقة، وتعزيز المرونة التشغيلية، وتحسين تجربة المستخدم، ورفع الكفاءة، مع الحفاظ على مستويات مرتفعة من الأمن والامتثال.
وتناول سرينيفاسان خلال الحوار أبرز القطاعات التي تقود الطلب على حلول إدارة تقنية المعلومات والأمن السيبراني في المملكة، والتحديات المرتبطة بالبيئات السحابية والهجينة، ودور الذكاء الاصطناعي والأتمتة في تسريع اكتشاف المشكلات والتهديدات والاستجابة لها، إلى جانب أبرز التقنيات المتوقع أن تستحوذ على جانب مهم من استثمارات المؤسسات السعودية في تقنية المعلومات خلال عام 2027.
وإلى نص الحوار:
• في ظل التسارع الكبير لمبادرات التحول الرقمي ضمن رؤية السعودية 2030، كيف تقيّمون مستوى نضج المؤسسات السعودية في تبني التقنيات الناشئة مقارنة بالسنوات السابقة؟
حققت المؤسسات السعودية تقدماً ملحوظاً، سواء على صعيد الطموح أو التنفيذ. ففي المراحل الأولى، ركزت العديد من برامج التحول الرقمي على رقمنة الخدمات، وتحديث البنية التحتية الأساسية، ونقل بعض أعباء العمل إلى الحوسبة السحابية. أما اليوم، فيتمحور النقاش بصورة متزايدة حول تحسين البيئة الرقمية والاستفادة القصوى منها؛ أي كيفية ربط هذه الاستثمارات ببعضها، وأتمتة العمليات، واستخلاص رؤى ذكية من البيانات، وتحقيق تحسينات قابلة للقياس في المرونة والكفاءة وتجربة المستخدم.
وبالرغم من تفاوت مستويات تبني هذه التقنيات بين المؤسسات، فإن الجهات الرائدة في القطاعين العام والخاص بدأت في نقل التقنيات الناشئة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، من مرحلة التجارب والمشروعات التجريبية إلى دمجها في سير العمل والعمليات التشغيلية الفعلية.
ويتجلى هذا النضج أيضاً في الاهتمام المتزايد الذي توليه المملكة بالحوكمة، والأمن السيبراني، وسيادة البيانات، والامتثال. وتمتلك المملكة العربية السعودية فرصة لأن تصبح نموذجاً إقليمياً يُحتذى به في التبني المسؤول للتقنيات على مستوى المؤسسات، من خلال الجمع بين الابتكار المتسارع، والضوابط المنهجية، وتنمية القدرات المحلية.
• استناداً إلى عمل «مانيج إنجن» مع المؤسسات في المملكة العربية السعودية، ما أبرز التغيرات التي لاحظتموها في أولويات ومتطلبات قادة تقنية المعلومات خلال السنوات الأخيرة؟
لم يعد يُقاس أداء قادة تكنولوجيا المعلومات بمجرد نشر التقنية، بل بمدى قدرتها على تحقيق نتائج أعمال موثوقة؛ إذ باتت أولوياتهم تجمع بين ضمان التوافر، والأمن، والامتثال، وتجربة المستخدم، وكفاءة التكلفة.
كما يتطلعون إلى الحصول على رؤية لحظية وشاملة عبر البيئات الهجينة، وتسريع عمليات اكتشاف المشكلات ومعالجتها، وتعزيز التحكم في الهويات وصلاحيات الوصول المميزة، إلى جانب تطبيق الأتمتة التي تقلل أعباء العمل اليدوي دون المساس بمعايير الحوكمة.
وهناك أيضاً طلب متزايد على توحيد الأدوات المشتتة ومشاركة السياق والمعلومات بين فرق عمليات تقنية المعلومات والأمن السيبراني. ورغم أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من هذه الأجندة، إلا أن القادة باتوا يطرحون أسئلة أكثر دقة وعمقاً حول حالات الاستخدام، وكيفية التعامل مع البيانات، وقابلية التدقيق، والعائد على الاستثمار.
وباختصار، انتقلت المتطلبات من مجرد إدارة الأنظمة بصورة منفصلة إلى تنسيق وإدارة مؤسسة رقمية آمنة ومرنة ومتزايدة الذكاء بصورة متكاملة.
• ما القطاعات التي تقود حالياً الطلب على حلول إدارة تقنية المعلومات والأمن السيبراني في السعودية؟ وما القطاعات التي ترون أنها لا تزال تمتلك فرصاً كبيرة للنمو؟
يشهد الطلب على حلول الأمن الرقمي نموًا قويًا في قطاعات الخدمات الحكومية والعامة، والخدمات المصرفية والمالية، والرعاية الصحية، والطاقة والمرافق، والاتصالات، والتعليم، وتجارة التجزئة، وبرامج البنية التحتية واسعة النطاق.
وتعمل هذه القطاعات في بيئات حيوية أو شديدة التنظيم، وتخدم أعداداً كبيرة من المستخدمين والأجهزة، كما تعتمد بصورة متزايدة على الخدمات الرقمية التي يجب أن تكون متاحة بشكل مستمر على مدار الساعة. وهذا المزيج يخلق احتياجات مباشرة في مجالات إدارة الهوية، وإدارة الوصول المميز، وأمن نقاط النهاية، وأنظمة إدارة معلومات الأمان والأحداث (SIEM) ، وإدارة الخدمات، والمراقبة.
وفي الوقت نفسه، نرى فرص نمو كبيرة لدى المؤسسات متوسطة الحجم، والشركات الصناعية والتصنيعية، وقطاعات الخدمات اللوجستية والضيافة والسياحة، بالإضافة إلى الشركات الرقمية الناشئة. فكلما أصبحت عمليات هذه المؤسسات أكثر ترابطاً، تطورت متطلبات الأمن والإدارة لديها سريعاً لتصل إلى مستوى متطلبات المؤسسات الكبرى.
ولا تكمن الفرصة في مجرد إضافة المزيد من الأدوات، بل في مساعدة كل قطاع على بناء رؤية متكاملة، وتعزيز المرونة والامتثال بما يتناسب مع المخاطر التشغيلية ومستوى النضج لديه.
• مع التوسع المتزايد للمؤسسات السعودية في تبني الحوسبة السحابية والبيئات الهجينة والخدمات الرقمية، ما أبرز التحديات التي تواجهها في إدارة هذه البيئات المعقدة؟
يكمن التحدي الرئيسي في التجزئة. فقد تعتمد خدمة رقمية واحدة على أعباء عمل سحابية، وأنظمة داخلية، وشبكات، وتطبيقات، ونقاط نهاية، وهويات، وخدمات مقدمة من أطراف خارجية، بينما تولد كل طبقة منها بيانات وتنبيهات خاصة بها.
وفي غياب سياق موحد ومشترك، تواجه الفرق صعوبة في تحديد السبب الجذري الحقيقي للحوادث، وفهم تأثيرها على الأعمال، وتنسيق الاستجابة لها في الوقت المناسب.
كما تواجه المؤسسات تحديات أخرى، من بينها عدم اتساق الإعدادات، واتساع نطاق صلاحيات الوصول المميزة، والحاجة إلى وضوح أكبر بشأن تكاليف خدمات الحوسبة السحابية، ومتطلبات توطين البيانات، إلى جانب نقص المهارات المتخصصة.
ويكمن الحل في توفير رؤية شاملة تجمع بين الأتمتة والحوكمة؛ من خلال اكتشاف الأصول، ورسم خرائط التبعيات، وربط الإشارات والبيانات المختلفة، وتوحيد السياسات، وتنسيق سير العمل المعتمد عبر مختلف المجالات. ويساعد النهج الموحد المؤسسات على إدارة هذا التعقيد مع الحفاظ على المرونة والأمن والمساءلة عبر البيئات الهجينة.
• ما أبرز التحديات التي لا تزال تواجه المؤسسات السعودية في رحلة التحول الرقمي: هل هي نقص المهارات، أم تعقيد البنية التحتية لتقنية المعلومات، أم إدارة البيانات، أم تحديات الأمن والحوكمة؟
جميع هذه التحديات الأربعة مترابطة. فالبنية التحتية الهجينة والأنظمة القديمة تزيد من التعقيد التشغيلي، وتشتت البيانات يؤدي إلى تقليل مستوى الرؤية الشاملة، بينما يجعل نقص المهارات من الصعب التحقيق والاستجابة للمشكلات بالسرعة المطلوبة، كما يمكن أن تؤدي الحوكمة الضعيفة إلى تحويل الابتكار السريع إلى مخاطر أمنية أو مخاطر تتعلق بالامتثال.
وتواجه العديد من المؤسسات أيضاً مشكلة تضخم عدد الأدوات، حيث تؤدي الأنظمة المنفصلة إلى ازدواجية الجهود وتضارب الضوابط. لذا، لا يقتصر الحل على الجانب التقني فحسب، بل تحتاج المؤسسات إلى نموذج تشغيلي واضح، وسياق مشترك للبيانات والخدمات، وعمليات متكاملة بين تقنية المعلومات والأمن، إلى جانب التطوير المستمر للأفراد العاملين. وينبغي أن تبدأ المؤسسات بتحديد أولويات نتائج الأعمال، ثم وضع أطر الحوكمة والضوابط القابلة للقياس، وبعد ذلك أتمتة عمليات سير العمل المتكررة.
ويمكن لمزودي التكنولوجيا الإسهام في ذلك من خلال الشراكات المحلية، وبرامج التدريب والشهادات المهنية، والتعاون مع الجامعات، بما يساعد الكفاءات السعودية على نشر وإدارة وحوكمة الأنظمة المتزايدة الذكاء بصورة مسؤولة.
• كيف يمكن للذكاء الاصطناعي والأتمتة مساعدة فرق تقنية المعلومات على اكتشاف مشكلات الأنظمة والتهديدات السيبرانية والاستجابة لها بصورة أسرع؟
يمكن للذكاء الاصطناعي تقليص الوقت الفاصل بين ظهور الإشارة وفهمها واتخاذ الإجراء المناسب بشأنها. فبدلاً من مطالبة المحللين بمراجعة آلاف التنبيهات المنفصلة، يستطيع الذكاء الاصطناعي اكتشاف الأنماط الشاذة، وربط الأحداث ذات الصلة، وإضافة سياق مستمد من الأصول والهويات والعلاقات بين الخدمات، ثم إبراز الحادث الذي يتطلب التدخل.
وفي عمليات تقنية المعلومات، يؤدي ذلك إلى تسريع تحليل الأسباب الجذرية، كما يمكن أن يساعد على التنبؤ بالمشكلات الناشئة قبل أن تتحول إلى حالات انقطاع للخدمات.
أما في مجال الأمن السيبراني، فيمكن للوكلاء دعم فرز التنبيهات، وإجراء التحقيقات متعددة المراحل، ومراجعة المستخدمين، وتقييم الثغرات الأمنية. وبعد ذلك، يمكن للأتمتة جمع الأدلة، وإنشاء تذكرة دعم أو إثرائها بالمعلومات، والتوصية بإجراءات المعالجة، وتنفيذ الإجراءات الروتينية المعتمدة.
وتتمثل النتيجة في استجابة أسرع وتقليل إرهاق فرق العمل الناتج عن كثرة التنبيهات، ولكن يجب أن تتم هذه العمليات في إطار حوكمة واضحة؛ بحيث يحدد المسؤولون الصلاحيات والضوابط، ويتم تسجيل الإجراءات، مع احتفاظ العنصر البشري بالسيطرة على القرارات ذات التأثير الكبير.
• في ظل تزايد التهديدات السيبرانية، إلى أي مدى أصبح من الضروري للمؤسسات دمج إدارة تقنية المعلومات والأمن السيبراني بدلاً من التعامل معهما كمجالين منفصلين؟
أصبح التكامل بينهما ضرورة، لأن سلامة العلميات التشغيلية والمخاطر السيبرانية باتتا تمثلان منظورين للبيئة الرقمية نفسها. فقد يؤدي اختراق هوية أحد المستخدمين إلى حادث أمني على إحدى نقاط النهاية، كما يمكن لجهاز لم يتم تحديثه أمنياً أن يؤثر في خدمة حيوية، وقد يكون السلوك غير المعتاد لأحد التطبيقات إما مشكلة في الأداء أو مؤشراً على هجوم سيبراني.
وعندما تعتمد فرق تقنية المعلومات والأمن على بيانات ومسارات عمل منفصلة، يتم فقدان السياق وتتراجع سرعة الاستجابة. ولذلك، فإن التقريب بين إدارة الخدمات، والمراقبة، وإدارة نقاط النهاية، وإدارة الهوية، والوصول المميز، والتحليلات الأمنية، يتيح ربط الأحداث بصورة أسرع، وتحديد المسؤوليات بشكل أوضح، وتنسيق عمليات المعالجة.
كما يسهم ذلك في تحسين الامتثال، إذ يمكن تطبيق الضوابط والأدلة بصورة متسقة. ولا تحتاج المؤسسات إلى إلغاء الأدوار والتخصصات المختلفة، لكنها تحتاج إلى رؤية تشغيلية مشتركة وعمليات متكاملة لتعزيز المرونة.
• ما التقنيات أو الحلول التي تتوقعون أن تستحوذ على الحصة الأكبر من ميزانيات تقنية المعلومات لدى المؤسسات السعودية خلال عام 2027؟
من المرجح أن تتجه الحصة الأكبر من الاستثمارات إلى التقنيات التي تحمي العمليات الرقمية وتحسنها على نطاق واسع. ونتوقع استمرار الاستثمار في الأمن السيبراني، وخاصة إدارة الهوية والوصول، وإدارة الوصول المميز، وأنظمة إدارة معلومات وأحداث الأمن (SIEM)، وأمن نقاط النهاية، وحماية البيانات، وأتمتة الامتثال.
كما سيجذب الذكاء الاصطناعي الخاضع للحوكمة والأتمتة القائمة على الوكلاء المزيد من الاستثمارات، خاصة في الحالات التي يمكن فيها إثبات قدرتها على تحقيق تحسينات قابلة للقياس في تقديم الخدمات، وتقليص زمن التحقيق، ورفع الكفاءة التشغيلية.
وستكون قابلية المراقبة الشاملة (Full-Stack Observability) وعمليات تقنية المعلومات المدعومة بالذكاء الاصطناعي (AIOps) أيضاً من الأولويات، مع تزايد تعقيد البيئات الهجينة والبيئات السحابية الأصلية.
وبالتوازي مع هذه المجالات، ستستثمر المؤسسات في توحيد المنصات، وحوكمة تكاليف خدمات الحوسبة السحابية ، وتعزيز المرونة، وتطوير مهارات القوى العاملة.
وسيظل العامل المشترك بين جميع هذه الاستثمارات هو الثقة؛ إذ ستفضل المؤسسات السعودية الحلول التي تجمع بين الذكاء والأتمتة من جهة، والخصوصية وسيادة البيانات وقابلية التدقيق والإشراف البشري من جهة أخرى.