الشرى التلقائي المزمن” (أرتيكاريا) هو مرضٌمناعيّ ذاتي، يظهر بشكل مفاجئ في صورةتورّمات جلدية مرتفعة مصحوبة بالحِكّة، وقديصاحبه أحيانًا “وذمة وعائية“(1). وتُعرَّف“التورّمات الجلدية المرتفعة” أو ما يطلق عليهاأيضًا “الطفح الجلدي” بأنها تورّمات بارزة علىسطح الجلد، بينما تُشير “الوذمة الوعائية” إلىتورّمٍ واضح تحت الجلد يمتد إلى الطبقات الأعمقمن الجلد والأنسجة، أو إلى الأغشية المخاطية. وتتسم هذه الأعراض بظهورها التلقائيوباستمرارها بشكل شبه يومي لفترة تتجاوز 6 أسابيع؛ وقد تستمر هذه النوبات لدى كثير منالمصابين لسنوات طويلة، بما يؤثر سلبًا علىاستقرار حياتهم بشكل ملحوظ (1). ورغم أنأعراض المرض تظهر من دون سببٍ خارجي مباشر،إلا أن بعض العوامل، مثل العدوى أو التوترالشديد، قد تؤدي إلى زيادة نشاط المرض وتفاقمحدّته (1) . وتتشابه أعراض “الشرى” بين مختلفالفئات العمرية، والجنسية، والعرقية؛ إذ تظهرالتورّمات الجلدية المرتفعة، و“الوذمة الوعائية” عادةً في مناطق متقاربة على الجسم وبصورةمتشابهة. وبالنسبة للأطفال المصابين بــ“الشرى” فإن “الوذمة الوعائية” تظهر لديهم بمعدلٍ أقل منالبالغين، إذ تتراوح نسبتها لديهم بين 5% و15%،مقابل 30% إلى 50% لدى البالغين. كما أن الفارقفي معدلات الإصابة بين الإناث والذكور يكون أقلوضوحًا لدى الأطفال مقارنةً بالبالغين.
ولا يقتصر أثر الإصابة بمرض “الشرى التلقائيالمزمن“ على الأعراض الجسدية فقط، بل يمتدليشكّل عبئًا واضحًا على المرضى وأسرهمومحيطهم الاجتماعي، إضافةً إلى ما يفرضه منضغطٍ ملحوظ على منظومة الرعاية الصحيةوالمجتمع بشكل عام (2). إذ قد تؤدي الأعراضالمُنهكة للمرض، وما تسببه من اضطراب فيالأنشطة اليومية والنوم، وتأثر الحالة النفسية،إلى إدخال المريض في حلقةٍ متكررة من الإحباطوتراجع جودة حياته، وغالبًا ما تتفاقم هذه الدائرةعند تزامن المرض مع اضطرابات مصاحبة، مثلالقلق والاكتئاب (2).
يعتمد تشخيص “الشرى” في خطوته الأولىوالأساسية على مراجعة التاريخ الطبي المفصّلللمريض (2)، تليها مرحلة الفحص السريري. ونظرًا لأن أعراض الشرى و“الوذمة الوعائية” تكون مؤقتة وقد تظهر وتختفي سريعًا، فقد لاتكون واضحة وقت الفحص؛ لذا تبرز أهمية العودةإلى المعلومات الموثّقة عن الحالة، بما في ذلكالصور الفوتوغرافية التي يلتقطها المريض لنوباتالشرى أو التورّم (2). أما الخطوة الثالثة فتتضمنإجراء مجموعة محدودة من الفحوصات الموصىبها، مثل تحليل صورة الدم التفصيلية (2).
ورغم أن العوامل المسببة لمرض “الشرى التلقائيالمزمن” لا تزال غير مفهومة بالكامل حتى الآن، إلاأن الأدلة العلمية تؤكد أن أعراضه ترتبط بتنشيطالخلايا المناعية الموجودة في أنسجة الجلد، والتيتُعرف اصطلاحًا بـ“الخلايا البدينة“. ويعقب ذلكإفراز موادّ التهابية، مثل الهيستامين وغيرها، مايؤدي إلى ظهور الحكّة والتورّمات الجلديةالمرتفعة، وقد تمتد في بعض الحالات إلى “وذمةوعائية” (3). هناك مؤشرات سريرية تساعد فيالتنبؤ باحتمالية استمرار “الشرى التلقائيالمزمن” (CSU) لفترات أطول، أو ضعف الاستجابةللعلاج؛ ومن أبرزها وجود “الشرى المزمنالتحسسي” – الناتج عن محفزات معينة – وارتفاعنشاط المرض، وزيادة مستويات “بروتين سيالتفاعلي” (CRP)، و/أو ظهور “وذمة وعائية” (4). وبناءً على التوصيات العالمية، تشمل العلاجاتالمعتمدة لهذه الحالات مضادات الهيستامين (H1) من الجيل الثاني، والعلاجات البيولوجية، إلىجانب علاجات حديثة أخرى (2-3).
وبعد استعراض الجوانب الأساسية لمرض “الشَّرى التلقائي المزمن” وتأثيره على حياة المرضى، تبقى المتابعة اليومية للأعراض واستجابة المريض للعلاج من أهم العوامل التي تساعد الطبيب على اتخاذ القرار المناسب في الوقت الصحيح. وفي هذا السياق، أكدتالدكتورة رؤى الحارثي، استشارية طب وجراحة الجلد، و نائب رئيس الجمعية السعودية لأمراض وجراحة الجلد، وزميلة الكلية الملكية للأطباء والجراحين في كندا، وعضو الأكاديمية الأمريكية للأمراض الجلدية. أنه في بعض الأحيان قد يختلف الأطباء والمرضى في تقييم أعراض المرض، مرجعًا السبب في ذلك إلى طبيعة المرض نفسها؛ فأعراض “الشَّرى التلقائي المزمن” متقطعة ومتقلبة، قد تهدأ لساعات أو أيام ثم تعود بشكل مفاجئ. وقد تكون حالة المرض خلال الزيارة أو المراجعة العلاجية أفضل من الأيام السابقة أو العكس، مما يجعل المريض غير قادر على شرح حالته خلال الفترة بين الزيارات بصورة واضحة، بينما يعتمد الطبيب غالبًا على ما يراه في لحظة الفحص وما يتوفر لديه من معلومات موثّقة.(6) موضحًه أنإحدى الدراسات العملية قد تناولت هذا الأمر، وبحثت مسألة التباين في تقييم شدة أعراض “الشرى التلقائي المزمن” بين المرضى والأطباء؛ وأظهرت أن أكثر من 25% من المرضى وصفوا أعراضهم بأنها أشدّ مما قدّره الطبيب، بينما أفاد نحو 5% بأنها أقلّ شدةً من تقييمه، في حين بلغت نسبة التوافق بين المريض ومقدّم الرعاية الصحية قرابة 68% (6)
وعن أهمية وضرورة تحرّك الطبيب سريعًا عند الاشتباه في عدم فاعلية العلاج، وتفادي الاستمرار في خطط علاجية غير مجدية، أكدت الدكتورة رؤى أن الأمر يرتبط بمدى تحقق السيطرة الكافية على المرض؛ إذ إن التأخر في تحقيق هذا الهدف قد يُبقي الأعراض قائمة، ويزيد من إحباط المريض، بما قد يدفعه تدريجيًا إلى الانسحاب من مسار الرعاية والمتابعة (7,8). وهو ما أكدته دراسة طبية حديثة تابعت مرضى “الشرى التلقائي المزمن”، حيث أشارت إلى أن نسبةً من المرضى الذين لم يتلقوا علاجًا فعّالًا قد يتوقفون عن الاستمرار فيه بسبب عدم تحقيقه الفاعلية المرجوّة. بينما أشارتاستطلاعٍ منفصل إلى أن تغيير الطبيب كان يحدث في كثير من الأحيان بدافع رغبتهم في الحصول على خطة علاجية أكثر جدوى تُخفف الأعراض وتُحسّن حالتهم (9). كل ذلك يؤكد أهمية التقييم المبكر لمدى استجابة المريض للعلاج، ثم تعديل الخطة في الوقت المناسب وفق الإرشادات الدولية الخاصة بـ”الشرى التلقائي المزمن”، بدلًا من الاستمرار على علاج لا يحقق السيطرة المطلوبة (7). وهو ما يرفع مستوى رضا المريض، ويدعم التزامه بمواصلة العلاج والمتابعة وفق الخطة المقررة دون انقطاع.
واختتمت الدكتورة رؤى بتوجيه نصيحة لمرضى “الشرى التلقائي المزمن” بعد بدء العلاج، قائلًه:” أنصح كل مريض بتقييم حالته بعد فترة قصيرة من بدء العلاج، وذلك من خلال سؤالين مباشرين يطرحهما على نفسه: هل ما زالت الحكة تؤثر سلبًا على نومي؟ وهل تمنعني الحكة من ممارسة أنشطتي اليومية؟ مثل الرياضة، أو رعاية الأطفال، أو الدراسة، أو العمل. فالانتباه إلى هذه المؤشرات مبكرًا يساعد على تحديد من يحتاج إلى خطوات علاجية إضافية، وتحسين التعامل مع المرض بصورة أدق وأكثر فاعلية (2,7)“.
تنويه هام: في حالة وجود أي أعراض جانبية للأدوية الرجاء التواصل مع الهيئة العامة للعذاء والدواء للابلاغ عنها على الرقم الموحد 19999
رقم الترخيص: 47- SFDA-34
المصادر
1.Kaplan A, et al. Allergy 2023;78(2):389-401.2.Zuberbier T, The International Guideline for the Definition, Classification, Diagnosis and Management of Urticaria. Allergy. 2026 Feb 6. doi: 10.1111/all.70210.
3. Kolkhir P. Chronic Spontaneous Urticaria: A Review. JAMA. 2024;332(17):1464–1477. doi:10.1001/jama.2024.15568
4. Curto-Barredo L, et al. Acta Derm Venereol 2018;98(7):641–647.
5. Guillen-Aguinaga S, et al. British J Derm 2016;175:1153-1165.
6. Mosnaim G, et al. Ann Allergy Asthma Immunol2025;134(3):315-323.e3.
7. Maurer M, et al. Allergy2017;72(12):2005-2016.
8. Maurer M, et al. Clin Exp Allergy 2020;50(10):1166-1175.